الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنها أخبرته بأنها جعلت اللّه معاذا لها منه ، أي جعلت جانب اللّه ملجأ لها مما همّ به . وهذه موعظة له . وذكرها صفة ( الرحمن ) دون غيرها من صفات اللّه لأنها أرادت أن يرحمها اللّه بدفع من حسبته داعرا عليها . وقولها إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه . ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته ، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه . وهذا أبلغ وعظ وتذكير وحثّ على العمل بتقواه . والقصر في قوله : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ قصر إضافي ، أي لست بشرا ، ردا على قولها : إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا المقتضي اعتقادها أنه بشر . وقرأ الجمهور لِأَهَبَ بهمزة المتكلم بعد لام العلّة . ومعنى إسناد الهبة إلى نفسه مجاز عقلي لأنه سبب هذه الهبة . وقرأه أبو عمرو ، وورش عن نافع ليهب بياء الغائب ، أي ليهب ربّك لك ، مع أنها مكتوبة في المصحف بألف . وعندي أن قراءة هؤلاء بالياء بعد اللام إنما هي نطق الهمزة المخففة بعد كسر اللام بصورة نطق الياء . ومحاورتها الملك محاولة قصدت بها صرفه عما جاء لأجله ، لأنها علمت أنّه مرسل من اللّه فأرادت مراجعة ربّها في أمر لم تطقه ، كما راجعه إبراهيم عليه السلام في قوم لوط ، وكما راجعه محمد عليه الصلاة والسلام في فرض خمسين صلاة . ومعنى المحاورة أن ذلك يجر لها ضرّا عظيما إذ هي مخطوبة لرجل ولم يبن بها فكيف يتلقى الناس منها الإتيان بولد من غير أب معروف . وقولها وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا تبرئة لنفسها من البغاء بما يقتضيه فعل الكون من تمكن الوصف الذي هو خبر الكون ، والمقصود منه تأكيد النفي فمفاد قولها وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا غير مفاد قولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، وهو مما زادت به هذه القصة على ما في قصتها في سورة آل عمران ، لأن قصتها في سورة آل عمران نزلت بعد هذه فصح الاجتزاء في القصة بقولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . وقولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي لم يبن بي زوج ، لأنها كانت مخطوبة ومراكنة ليوسف النجار ولكنه لم يبن بها فإذا حملت بولد اتهمها خطيبها وأهلها بالزنى .